ابن حمدون
118
التذكرة الحمدونية
الخلافة ، إلَّا أنك أبيت أن أطلب النصر إلَّا من حيث عوّدته من العفو ، فإن عاقبت فلك نظير ، وإن عفوت فلا نظير لك ، فإنّ جرمي أعظم من أن أنطق فيه بعذر ، وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر . فقال المأمون : مات الحقد عند هذا العذر . فاستعبر إبراهيم ، فقال المأمون : ما شأنك ؟ قال : الندم ، إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ . ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلَّغاني عفوه ، وإنّ لي الشفعة : الإقرار بالذنب ، وحق العمومة بعد الأب ، فلا يسقط عن كرمك عمّك ، ولا يقع دون عفوك عبدك . فقال : لو لم يكن في حقّ نسبك حقّ الصفح عنك لبلَّغك ما أمّلت حسن تنصّلك ، ولطف توصّلك . ثم أمره بالجلوس وقال له : ما البلاغة يا إبراهيم ؟ قال : أن يكون معناك يجلَّي عن مغزاك . فقال المأمون : هذا كلام يشذّر بالذهب ؛ لقد أذهبت به وغرا كان في صدري . « 343 » - اعتذر كاتب إلى صديق له فأجابه : أنت في أوسع العذر عند ثقتي ، وفي أضيق العذر عند شوقي . 344 - كتب أبو علي ابن مقلة إلى أبي الحسن ابن الفرات يستعطفه : اقتصرت - أطال اللَّه بقاء الوزير - على الاستعطاف والشكوى ، على تناهي المحنة والبلوى ، في النفس والمال ، والجسم والحال ، إلى ما فيه شفاء للمنتقم ، وتقويم للمجترم ، وحتى أفضيت إلى الحيرة والتبلد ، وعيالي إلى الهلكة والتلدّد ، وما أقول إنّ حالا أتاها الوزير أيده اللَّه في أمري إلا بحقّ واجب ، وظنّ صادق غير كاذب ؛ إلَّا أنّ القدرة تذهب الحفيظة ، والاعتراف يزيل الاقتراف ، وربّ المعروف يؤثره أهل الفضل والدين ، والإحسان إلى المسئ من أفعال المتقين . وعلى كلّ حالة فلي ذمام وحرمة ، وتأميل وخدمة ، إن كانت الإساءة تضيعها ، فرعاية الوزير تحفظها .
--> « 343 » ربيع الأبرار 1 : 432 والبصائر 2 / 1 : 3 ( دمشق ) ونثر الدر 5 : 105 .